صار عبئا على الثورة
آخر تحديث: الإثنين 21 نوفمبر 2011 - 10:05 ص بتوقيت القاهرة

لو أن اللواء حبيب العادلى لايزال فى منصبه وزيرا للداخلية، لما فعل أكثر مما فعله وزير داخلية «الثورة» مع المتظاهرين خلال اليومين الماضيين. ولو أن حكومة الدكتور نظيف مازالت فى السلطة لما فعلت غير الذى فعله المجلس العسكرى فى تعامله مع المشهد. ولو أن أنس الفقى ظل وزيرا للإعلام لكانت توجيهاته للصحف القومية مطابقة لما عبرت عنه تلك الصحف التى صدرت أمس، ولما اختلف بث قنوات التليفزيون الحكومى الذى ظلت مهمته محصورة فى تبرير قرارات السلطة والتستر على عوراتها.
لقد ظلت بعض القنوات الخاصة تبث أحداث ميدان التحرير حتى فجر أمس، الأمر الذى أتاح لنا أن نرى صورا تكاد تكون نسخة مما شاهدناه فى شهر يناير الماضى، وطول نهارى السبت والأحد كانت الرسائل الهاتفية وتعلقيات مواقع التواصل الاجتماعى تنقل تفاصيل عدوان رجال الأمن المركزى على المتظاهرين والمعتصمين سواء فى ميدان التحرير أو الشوارع المحيطة به، وكانت النتيجة أن ما شاهدناه سرب إلينا شعورا بالغضب حينا وبالمهانة أحيانا، حيث ما تصورنا أن تمر ثمانية أشهر على الثورة ضد نظام مبارك، ثم نجد أنفسنا فى لحظة من الزمن نواجه نفس القمع ونسمع نفس السباب الذى قامت الثورة للتخلص منه وطى صفحته. لذلك فإننى لم أستغرب، وإن انتابنى شعور عميق بالمرارة والحسرة، حين سمعت تسجيلا متداولا ظهر فيه اللواء عمر سليمان فى صورته الشهيرة التى قرأ فيها خطاب التنحية، لكنه أنبأنا بأن المجلس العسكرى قرر التنحى عن السلطة وأنه سلمها إلى السيد حسنى مبارك!
إلى هذا الحد ذهبت التعليقات وشوهت صورة الثورة وساءت سمعة المجلس العسكرى، الذى ينبغى أن نعترف بأن رصيده لدى الرأى العام فى تراجع مستمر، وكلما طالت مدة بقائه فى السلطة ازدادت أخطاؤه وانفض الناس من حوله، حتى أولئك الذين دافعوا عنه ووقفوا إلى جواره طول الوقت، وقد كنت واحدا منهم، لكنى لا أخفى شعورا بالإحباط والحيرة، أسهمت فيه الممارسات غير المفهومة التى يصعب الدفاع عنها.
لن أتحدث عن حادثة ماسبيرو التى قتل فيها نحو 25 شخصا، ومازلنا حتى الآن لم نعرف من هو الطرف الثالث الذى تدخل لإطلاق النار وإثارة الفتنة، الأمر الذى ظل لغزا يفتح الباب لإساءة الظن، خصوصا أن جهدا كبيرا بذل لتبرئة الشرطة العسكرية وإثبات أن أفرادها لم يكونوا مسلحين، لكننا لم نلمس جهدا فى الإثبات يعادل ما بذل للنفى. ومازلت غير قادر على فهم إجراءات أخرى تم فيها تلفيق التهم لعدد من الشبان الوطنيين والإصرار على إحالتهم للقضاء العسكرى وتمديد احتجازهم بغير مبرر. كما أننى لم أفهم ذلك التدليل المستغرب لرموز النظام السابق، فى الوقت الذى يعامل فيه شباب الثورة بقسوة تبعث على الدهشة.
أما ما ضاعف من الدهشة والاستغراب فهو ذلك القمع الذى تعرض له عشرات المعتصمين السلميين الذين بقوا فى الميدان بعد انتهاء حشود يوم الجمعة. ذلك أن الميدان كان قد تم تنظيفه صباح ذلك اليوم بواسطة بلدية العاصمة فى وجود خمس أو ست خيام، وكان يمكن أن تعود الحياة فيه إلى طبيعتها دون أن تعرقل تلك الخيام حركة المرور. لكن المعتصمين فوجئوا فى العاشرة صباحا تقريبا بهجوم مباغت من قوات الأمن المركزى التى انقضت على الخيام وساكنيها فأزالت الأولى وانهال أفرادها على المعتصمين بالصواعق الكهربائية وبالضرب والسحل والسب. بعد ذلك انسحبت القوات من الميدان بعد إخلائه.
شهود العيان الذين سألتهم اتفقوا على أن المعتصمين الذين طردوا من ميدان التحرير عادوا إليه مرة أخرى مسكونين بالغضب ومشحونين بالثورة على الذين أغاروا عليهم. وهم فى هذه الحالة مرت بالميدان سيارة ترحيلات فارغة تابعة للشرطة، فتصدوا لها وقاموا بإحراقها. وحينذاك عادت قوات الأمن المركزى مرة أخرى بإعداد كثيفة وقامت بالتصدى للغاضبين الذين تزايدت أعدادهم بعد انتشار أنباء القمع الذى تعرضوا له. فالذين كانوا عشرات أصبحوا مئات عند الظهيرة، وتحولوا إلى ألوف فى المساء، وهؤلاء اشبتكوا مع قوات الأمن المركزى التى لم تتردد فى استعمال القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطى وطلقات الخرطوش. وسقط من سقط من الجرحى وقتل واحد فى القاهرة وسمعت عن اثنين فى الإسكندرية. وظلت قوات الأمن المكزى مهتمة بأمرين أولهما تأمين مقر وزارة الداخلية والثانى ملاحقة المتظاهرين وتشتيتهم.
ظهر أمس تلقيت نداء على هاتفى المحمول يدعو «شرفاء الوطن» للتوجه إلى ميدان التحرير لمواصلة الثورة، الأمر الذى ينبئ بأن سلوك الأمن المركزى مس جرحا عميقا لدى الناس وجدد شعورهم بالإهانة الذى كان أحد أسباب التحاقهم بالثورة.
الوقائع تروى بعدة طرق، وليست أمامنا فرصة للتثبت من شىء، أو للتعرف على الحقيقة ومن ثم محاسبة المسئول الذى أشعل الحريق وأججه، لكن الذى نعرفه أن أحدا لم يتوقع أن يحدث ذلك كله بعد مضى ثمانية أشهر على الثورة، وأن المجلس العسكرى بدأ حاميا للثورة ثم أصبح عبئا عليها.
1:45 PM |
Posted in
الشروق,
فهمى هويدى
|
Read More »
تغيَّر الحاكم وليس الحكم
السبت 22 أكتوبر 2011 - 9:25 ص

أثناء اجتماع لمجلس السلام والأمن فى جامعة تل أبيب، قال مئير دجان رئيس الموساد السابق إن الحكم فى مصر لم يتغير، وإن الذى تغير هو الحاكم فقط. وتطرق إلى المستقبل فى مصر وما يشاع عن احتمالات وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة قائلا: إن الشارع المصرى يموج بالحركة حقا لكن الإخوان لن يصعدوا إلى سدة الحكم، لأن خطوة من ذلك القبيل من شأنها أن تجلب لمصر مصاعب شديدة فى السياسة الداخلية، فضلا عن أن المجلس العسكرى لن يسمح بذلك.
هذا الكلام مقتطف من تقرير نشرته صحيفة «هاآرتس» فى 4/10 تضمن خلاصة للآراء التى أبداها رئيس الموساد السابق فى ذلك اللقاء، وقال فيها إن الخطر العسكرى الذى يهدد إسرائيل فى المستوى الأدنى من التاريخ، وإنها فى وضع استراتيجى جيد، وتنبأ بأن الرئيس بشار الأسد سيواصل أعمال القمع العنيفة فى سوريا. كما أبدى اعجابه بالذكاء السياسى لرئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان، ودعا إلى استبعاد الخيار العسكرى فى التعامل مع إيران فى الوقت الراهن.
السمة العامة لما تنشره الصحف الإسرائيلية من تعليقات على ما يجرى فى العالم العربى، إنها تنظر إليه باستعلاء وازدراء شديدين. وما وقعت عليه منها على الأقل يكاد يجمع على أن العالم العربى ليس مهيأ للديمقراطية وأن المسلمين يؤمنون بحكم الفرد الذى هو جزء من عقيدتهم. وهذا الإيمان يشترك فيه المتدينون والعلمانيون. ففى المقال الافتتاحى لصحيفة يديعوت أحرونوت (14/9) كتب آمنون شاموش يقول محذرا مما سماه «الوهم الغربى والإسرائيلى» بأن العالم العربى متجه صوب الديمقراطية، مدللا على ذلك بأنه: فى أكثر البلدان المسلمة، ومنها العربية، يوجد وكان وسيكون نظم حكم فردية برلمانية، تختلف عن الديمقراطيات المعروفة فى العالم، وفى رأيه أنه ليس صحيحا أن هناك ربيعا عربيا، لأن ما تشهده هو مجرد ثورة عربية. وحتى إذا رفعت الثورة شعار الديمقراطية، فإنها ستنتهى بعد سنين من الاضطراب إلى حكم فرد يرتب من جانبه انتخابات «حرة» تأتى ببرلمان يناسب الحاكم. وإذا لم يتحقق ذلك فإنه سيفضى لإجراء انتخابات جديدة «ديمقراطية» أيضا تحقق للحاكم مراده.
الفكرة ذاتها عبر عنها آرى شبيط فى مقال نشرته هاآرتس فى 15/9. حين قال إن الربيع العربى ليس سوى كارثة عربية، حيث نتيجته أن حياة مئات الملايين من العرب ستصبح أصعب مما كانت. حيث سيكون هناك فقر أكثر وجريمة أكبر وخوف أشد فى الشوارع وقدر أكبر من قمع النساء ومطاردة الأقليات وكراهية الغرب.
خلاصة الكلام أنه لا أمل فى العالم العربى، الذى يرى أمثال هؤلاء الكتاب الإسرائيليين أن التعاسة قدره المحتوم. وان الاستبداد كامن فى ماضيه وحاضره بل ومستقبله أيضا، وهى رؤية لا تعبر عن الاستعلاء والازدراء فحسب، وإنما هى تميل إلى تصوير العالم العربى كما يتمنونه، الذى تظل إسرائيل فيه شعب الله المميز والمختار. إضافة إلى أنها تقرأ الإسلام والمسلمين بأعين المستشرقين الذين روجوا لفكرة الاستبداد الشرقى والحاكم الذى ينطق بأمر الله وحكمه.
يلفت النظر فى هذا المنطق أن أصحابه لم يلقوا بالاً للملايين التى خرجت فى أنحاء العالم العربى، وقدمت الكثير من التضحيات، فى التعبير عن شوقها للحرية والديمقراطية. كأن الناس كانوا ضد أشخاص الحكام فقط وليسوا ضد الاستبداد والطغيان. وإذا صح أن الأنظمة لم تتغير كثيرا فى مصر وتونس مثلا، فمن الخطأ اعتبار ذلك وضعا نهائيا، لأن الطابع السلمى الذى اتسمت به الثورتان استدعى إقامة فترة انتقالية تمهد للتقدم صوب النظام الديمقراطى المنشود. وهذا ما لا تريده إسرائيل ولا تتمناه، لأن أى نظام وطنى حقيقى فى العالم العربى خصوصا فى مصر لابد أن يكون مشتبكا مع الغطرسة والعربدة الإسرائيليتين.
لا أعرف مصدر الثقة التى تحدث بها رئيس الموساد السابق عن التعبير الحاصل فى مصر، وكونه طال الحاكم فقط ولم يشمل الحكم، ثم قوله إن المجلس العسكرى لن يسمح للإخوان بكذا أوكذ، الأمر الذى أعاد إلى ذهنى التساؤل عن طبيعة ومضمون التعهدات التى قدمها الرئيسان السابقان السادات ومبارك لطمأنة إسرائيل فى الحاضر والمستقبل. وهو تساؤل سيظل معلقا على جدران مصر حتى يقيِّض لنا الله من يكشف لنا عن إجابته، لكى نفهم حقيقة القيود التى تكبلنا وتجعل الإسرائيليين يتحدثون عن مستقبلنا بهذه العجرفة والصفاقة.
2:01 AM |
Posted in
الشروق,
فهمى هويدى
|
Read More »
دعوة لوقف إطلاق النيران
الخميس 20 أكتوبر 2011 - 10:05 ص

أدعوا إلى وقف إطلاق النار بين المسلمين والأقباط فى مصر. وأقصد به الشحن التعبوى الذى يملأ النفوس بالنفور والبغض طول الوقت. وأزعم أن كل ما ندعو إليه من جهود للإصلاح أو ترميم العلاقة بين الطرفين لن تؤدى ثمارها طالما استمرت عمليات الشحن هذه ولم نضع لها حدا. أدرى أن التعصب أصبح يعشش فى أرجاء بلادنا، ومن التسطيح والخفة أن ينسب إلى طرف دون آخر، أو أن يؤرخ البعض للتعصب بظهور الجماعات الإسلامية أو ما يسمى بالإسلام السياسى. ذلك أن بعض الأمور التى يثار من حولها الجدل الآن وتعتبر موضوعات خلافية (التمثيل فى وظائف الدولة والمجالس المنتخبة مثلا) ناقشه قبل مائة عام المؤتمر المصرى (انعقد فى 29 أبريل سنة 1911) قبل أن تعرف مصر ظاهرة «الصحوة» أو ما يسمى بالإسلام السياسى.
تحليل ظاهرة التعصب تتداخل فيه عوامل عدة تختلف من مجتمع إلى آخر، وهى ليست دينية أو ثقافية فحسب، ولكنها اجتماعية وسياسية أيضا. ولأسانده علم الاجتماع كلام كثير فى هذا الصدد لا مجال للخوض فيه الآن، لأننى فى الوقت الراهن معنى بأمرين أولهما التحذير من تسطيح المسألة وعدم اختزالها فى سبب واحد أو فئة دون أخرى. وثانيهما وهو الأهم هو التصدى لعوامل تأجيجية وتحويله إلى مفجر يستهلك طاقة المجتمع ويصرف الناس عما هو أهم وأعمق فى حياتهم.
تتعدد منابع الشحن والتعبئة المضادة التى تشيع المفاهيم المغلوطة وتزرع بذور البغض والفتنة. فمنها الموروث الشائع ومنها خطاب الدعاة والقسس عبر المنابر الدينية والفضائيات والمطبوعات، وبينها الثقافة السلفية المشتبكة مع كل من عدا السلفيين من مسلمين وغير مسلمين.
أدرى أننا لن نستطيع فى الأمد القصير أن نتصدى لكل مصادر الاحتقان، خصوصا ما كان منها موروثا تاريخيا، لكن ذلك لا يحول دون أن نفهم طبيعة تلك المصادر من ناحية، وأن نتعامل بجدية وحزم مع ما كان منها فى متناول أيدينا من ناحية ثانية، أن ثمة تركيزا على عمليات الشحن التى تصدر عن الدعاة المسلمين سواء فى مواعظهم أو فى القنوات الفضائية التى تعبر عنهم أو فيما يصدر عنهم من كتابات، وهذا شىء مفهوم سواء لأنه يحتل حيزا كبيرا فى الفضاء الثقافى أو لأنه يعلن على الملأ. ومن المهم أن يرصد باستمرار ما يصدر عن تلك المنابر متجاوزا حدود اللياقة فيما يخص الديانات الأخرى وأن يساءل المسئولون عن ذلك التجاوز.
من ناحية أخرى، ثمة سكوت غير مبرر على ما يصدر من تجاوزات من المنابر القبطية المماثلة، التى تسهم بدور كبير فى التعبئة المضادة وتسميم الأجواء. وثمة معلومات متواترة وتسجيلات متداولة لما يردده البعض فى داخل الكنائس فى هذا الصدد. وثمة كتب مطبوعة ومنشورة وفضائيات يسمعها كل أحد تقدم دروسا يومية فى تعميم الكراهية، وتسهم فى تشكيل إدراك يؤسس للمفاضلة ورفض العيش المشترك. مع فارق جوهرى هو أن أغلب الدعاة المسلمين يحسبون على جماعاتهم ولا علاقة لهم بما نسميه المؤسسة الدينية. حيث الباب مفتوح لكل من هب ودب أن يقول ما عنده بغير ضوابط، إلا إذا تعلق الأمر بأمن الدولة بمفهومه السياسى. أما نظائرهم من الأقباط فإنهم لا يعتلون منابرهم إلا إذا تم ترسيمهم من قبل الكنيسة. بما يعنى أنهم يمثلون المؤسسة الدينية بالدرجة الأولى. لذلك فإن وقع كلامهم وتأثيره يكون أكبر وأعمق. والتصدى لهذا الموضوع ينبغى أن يتم على مستويين على الأقل، الأول يتمثل فى الموقف الحازم للمؤسسة الدينية على الجانبين، والثانى بالتطبيق الشجاع لنص القانون الجنائى الذى يجرم ازدراء الأديان. وهو ما أدعو إلى توسيع طاقته ليشمل حتى خطاب السلفيين إذا اتسم بالتجاوز والمساس بغير المسلمين.
سوف ادهش إذا أغضب هذا الكلام أحدا، كما حدث من قبل حين أطلقت دعوى إخضاع موارد الكنائس المالية لإشراف الجهاز المركزى للمحاسبات تطبيقا للقانون الذى تخضع له المساجد. وأثار ذلك احتجاج شرائح واسعة من الأقباط، مع أنه ليس أكثر من دعوة لاحترام القانون وسريانه على مؤسسات المجتمع دون استثناء.
لست أشك فى أن جهودا ينبغى أن تبذل لتجفيف ينابيع التعصب وتوسيع نطاق التفاعل والعيش المشترك، وأزعم أن الممارسة الديمقراطية وإحياء الحلم المشترك تحتل موقعا متقدما منها. لكن هدفا جليلا كذلك الذى نسعى إليه لن نبلغه إلا إذا قطعنا أشواطا عدة. وأحسب أن تطهير الأجواء من الاحتقان وعوامل التسميم يحتل أولوية فى ذلك المسار. فضلا عن أن خطوة من ذلك القبيل فى متناول أيدينا، ولسنا مضطرين إلى انتظار إحداث تغيير سياسى واسع النطاق لإنجازها.
2:08 AM |
Posted in
الشروق,
فهمى هويدى
|
Read More »
هديتنا للثورة المضادة
الأربعاء 19 أكتوبر 2011 - 9:25 ص

يوما بعد يوم نكتشف أننا نتعرض لحملة تشويش وبلبلة قد نفهم مقاصدها لكن الله وحده أعلم ببواعثها. آية ذلك مثلا أننا عشنا طوال الأسبوعين الأخيرين فصول قصة هدم كنيسة الماريناب بمحافظة أسوان التى كانت ذريعة لمظاهرة الأحد الدامى (9/11) وانتهت بفاجعة قتل 25 شخصا وأصابت أكثر من مائتين. وبعد كل ذلك تبين أن الكنيسة لم تهدم، وأن بعض الشباب هدموا قبة لها تجاوزت الارتفاع القانونى المقرر كما ذكرت صحيفتا أخبار اليوم والوفد. وهو ما أشرت إليه فى سياق التدليل على أن الانفعال ذهب بالناس بعيدا فى إساءة الظن، إلا أنه تبين لاحقا أننا كنا ضحية معلومات مغلوطة، وأن ثمة تلاعبا فى تراخيص البناء، حيث لم تكن هناك كنيسة أصلا فى المكان.
هذا الذى تكشف أخيرا لم يكن «كلام جرايد»، ولكنها معلومات وردت فى بيان نائب رئيس هيئة قضايا الدولة بأسوان المستشار حسين عبده، نشرته صحف الاثنين 19/10. خلاصة البيان أو أهم نقطة فيه أن كاهنا بكنيسة ادفو، اسمه مكاريوس بولس مجلع، تقدم بطلب إلى الوحدة المحلية لمجلس مدينة ادفو لإجراء المعاينة اللازمة لترميم كنيسة رئيس الملائكة الجليل ميخائيل بقرية «خور الزق» التابعة لمدينة الرديسية التى تقع شرق النيل على مسافة 35 كيلومترا من مدينة ادفو. وقد قامت الإدارة الهندسية بالوحدة المحلية بعمل المعاينة اللازمة واستجابت لطلبه حيث قررت هدم الكنيسة بالكامل وإجراء إحلال كلى لها، لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئا. ذلك أن التراخيص والموافقات الصادرة لإحلال مبنى كنيسة «خور الزق» فى شرق النيل استخدمت لإنشاء كنيسة أخرى فى الماريناب التى تقع غرب النيل، على أنقاض منزل قديم يملكه مواطن اسمه معوض يوسف معوض. وتبين أن هذا التحايل فى استخدام التراخيص تم بواسطة بعض الموظفين العاملين بالوحدة المحلية فى مركز ادفو، وقد صدرت ايصالات تركيب عداد الكهرباء والمياه باسم الشخص مالك العقار المسجل فى مستندات الجمعية الزراعية كمسكن وليس مضيفة أو دار عبادة.
بقية القصة معروفة، وهى أن شكاوى قدمت بخصوص الموضوع إلى محافظ أسوان الذى أحال الأمر للنيابة العامة للتحقيق، وخلاله تكشفت تفاصيل التلاعب فى التراخيص والمستندات، فصدر قرار إزالة ما كان مخالفا للقانون. وأحدث هذا القرار أصداءه التى استخدمت فى تفجير الغضب أمام ماسبيرو مما أدى إلى وقوع الكارثة. يحتمل الأمر تساؤلا من قبيل: لماذا اضطر كاهن كنيسة إدفو إلى التلاعب بالمستندات والالتفاف على القانون لإقامة كنيسة فى الماريناب؟ وهل كان سيستجاب للرجل إذا اتبع الطريق القانونى فى مطلب إقامة كنيسة لسكان القرية من الأقباط (40 أسرة قبطية وسط 50 ألف مسلم)؟ وإذا كان مقتضى القانون أن يصدر قرار بإزالة المخالفة، فهل كان يمكن أن يعامل الأمر بأسلوب آخر يضع فى الاعتبار حساسية المرحلة ودقة الموقف السياسى؟ وهل يقبل أن يقوم الأهالى من جانبهم بإزالة المخالفة؟
هذه كلها أسئلة مشروعة، لكنها ينبغى ألا تغيب حقيقة أن التلاعب فى الأوراق والتصاريح هو الذى جر جميع التداعيات اللاحقة خصوصا المسيرة التى لاتزال ظروف اطلاقها محاطة بغموض محير، لا نستبين منه إلا أمرين: الأول أن ما جرى فى القاهرة كانت أسبابه فى العاصمة وليس فى الماريناب، الثانى أن الأمر لم يخل من عمد وترتيب لا نستطيع أن نفترض البراءة فيه، بدليل ما آلت إليه الأمور بعد ذلك.
بالمثل فإننا لا نستطيع أن نفترض البراءة فى الترويج لخبر وصورة إلقاء أربع جثث لضحايا مظاهرة ماسبيرو فى النيل. وهو الخبر الذى روعنا وأفزعتنا الصورة التى نشرت معه. ثم تبين أنه خبر مكذوب ومدسوس. حين كشف أحد المدونين أن الصورة نشرت قبل ثلاث سنوات فى صحيفة «الرياض» السعودية لشخص غرق فى أحد الوديان التى غمرتها المياه بالمملكة. وكان موقعا أطلقه بعض المتعصبين قد نشر الخبر والصورة. إسهاما منهم فى تأجيج المشاعر الغاضبة جراء ما جرى فى ماسبيرو، كأن مقتل 25 شخصا لم يكن فيه الكفاية. والتقطت الصورة إحدى صحف الإثارة فأبرزتها، الأمر الذى أدى إلى إشاعة الخبر ونقل الصورة فى العديد من مواقع التواصل الاجتماعى.
اللافت للنظر أنه بعد انفضاح أمر الكذبة فإن الموقع المذكور سحب الخبر والصورة، أما الصحيفة فقد تجاهلت الفضيحة والتزمت الصمت، ولم تكلف خاطرها أن تعتذر للقارئ عن الورطة التى وقعت فيها.
إن الهرج الذى يسود الساحة المصرية والتوتر المخيم على مختلف الأطراف، إذا انضافت إليهما السموم التى يبثها المتعصبون، ذلك كله يمكن أن يشكل «خلطة» تفسد أجواء الربيع الذى بشرتنا الثورة به، وهى أكبر هدية يقدمها الأبالسة الذين يحركون تلك الأحداث إلى أركان الثورة المضادة.
3:10 PM |
Posted in
الشروق,
فهمى هويدى
|
Read More »
رياح التسخين على أبواب العرب
الثلاثاء 18 أكتوبر 2011 - 8:35 ص

إشارات تسخين الأجواء تتجمع فى الفضاء العربى، بما يفتح الأبواب لاحتمالات تفجير المنطقة. لكن مصير «الربيع» سيظل مرهونا بمدى نجاح مصر وتونس فى اجتياز الاختبار الديمقراطى.
(1)
موضوع التسخين هو سوريا، التى تشهد انتفاضة شعبية لم تتوقف منذ سبعة أشهر، وفشل النظام فى إخمادها طوال هذه المدة، الأمر الذى جعل الحالة السورية نموذجا للاستعصاء، الذى لا يرى له حل سلمى فى الافق المنظور، أما الإشارات التى أتحدث عنها فتتمثل فيما يلى:
الاجتماع الطارئ الذى عقده وزراء الخارجية العرب يوم الأحد 16/10 بناء على طلب دول مجلس التعاون الخليجى لبحث تطورات الأزمة السورية بعدما دخل نزيف الدم هناك شهره الثامن. ودعا الوزراء الحكومة السورية إلى إجراء حوار المعارضة خلال أسبوعين قبل اتخاذ أىة إجراءات أخرى، ترددت من بينها تعليق عضوية سوريا فى الجامعة العربية وكانت الدول الخليجية قد سحبت سفراءها من دمشق، ودعت دول الجامعة العربية إلى اتخاذ موقف مناسب من النظام السورى، على غرار الموقف الذى اتخذه مجلس الجامعة من قبل، حين قرر تعليق عضوية ليبيا ثم دعا إلى فرض حظر جوى لحماية المدنيين، الأمر الذى مهد للتدخلات العسكرية الدولية التى تبناها حلف الأطلنطى واستهدفت الإطاحة بحكم القذافى.
وكان مجلس الجامعة قد ناقش قبل أسابيع اقتراحا مماثلا بخصوص سوريا تقدمت به أربع دول هى السعودية والإمارات وقطر والأردن، لكنه لم يصدر قرار فى هذا الصدد.
● تشكيل المجلس الوطنى الانتقالى الذى توحدت فيه المعارضة السورية الداعية إلى إسقاط نظام الرئيس الأسد. ورفض المجلس لفكرة التدخل الدولى، مع تأييده للمطالبة بالحماية الدولية للمدنيين، إعمالا لمبدأ التدخل الإنسانى الذى أقرته الأمم المتحدة، الذى جرى الاحتجاج به فى الحالة الليبية. علما بأن مطالب التدخل الدولى لحماية المدنيين كان شعارا رفعته بعض مظاهرات الداخل فى الاسبوعين الآخيرين، إزاء استمرار مسلسل القتل والاعتقال والتعذيب الذى طال جميع المعارضين.
● التوتر الحاصل مع تركيا على الحدود الشمالية لسوريا (910 كيلو مترات) الذى طال العلاقات التجارية الحيوية بين البلدين. والحديث التركى عن مناورات عسكرية وفكرة إقامة منقطة عازلة لحماية اللاجئين على الأراضى السورية. والتلويحات السورية بإعادة فتح ملف لواء الإسكندرون. الذى ضم إلى تركيا بعد الحرب العالمية الثانية وطوى صفحة الرئيس بشار الأسد حين تولى السلطة فى عام 2002، ثمة تلويحات سورية أيضا باستثمار علاقات النظام التاريخية بحزب العمال الكردستانى الذى يحتمى قادته بالأراضى السورية فى حين يقود التمرد ضد الحكومة التركية مطالبا بالحكم الذاتى وملوحا بالانفصال.
● محاولة إرباك إيران وإشغالها عن مساندتها الراهنة للنظام السورى.. انطلاقا من التحالف الإستراتيجى بين دمشق وطهران. وهذه المساندة تجاوزت حدود دعم النظام فى الداخل، وإنما شملت أيضا التحركات التى شملتها منطقة الخليج مؤخرا، وطبقا لما سربته المصادر الموالية فى بيروت فإن طهران أبلغت بعض دول الخليج (الإمارات العربية بوجه أخص) بأن النظام السورى خط أحمر، وأن تعرضه للخطر سيؤدى إلى إشعال منطقة الخليج بأكملها (الشرق الأوسط 15/6).
● أخيرا فجرت واشنطن قضية محاولة أحد الإيرانيين إجراء اتصالات لاغتيال السفير السعودى لدى الولايات المتحدة، وكرى النفخ فى هذه العملية إلى حد الحديث عن نقل الموضوع إلى مجلس الأمن، وباحتمال القيام بعمل عسكرى ضد إيران بسببها. ورغم غرابة القصة، فثمة تحليل يرجعها إلى أحد احتمالين، الأول إرباك إيران وإشعارها بالخطر على نحو يضطرها إلى الكف عن مساندة النظام السورى لمواجهة التهديد الذى تتعرض له طهران بسببها. أما الثانى فهو توريط سوريا فى «المؤامرة» واتهامها بأنها وراء العملية، الأمر الذى يزيد من الضغط الدولى عليها، ويدفع مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار بتأييد اتخاذ إجراء مشدد جديد ضد دمشق.
(2)
يمثل النموذج السورى حالة متفردة فى الربيع العربى، بوسعنا أن نقول إنه بمثابة الوجه الرابع لذلك الربيع، الذى كانت ثورتا تونس ومصر موجته الأولى. ففى البلدين خرجت الجماهير فى مظاهرات سلمية عارمة، فاجأت الجميع فى الداخل والخارج. وهذه المظاهرات إما وقف الجيش منها موقفا محايدا (تونس) أو أنه انضم إليها وأيدها (مصر). ولم يحتمل النظام وقع المفاجأة فانهار خلال أيام معدودة. ونجحت الثورة على النظامين.
الحالة الليبية نموذج آخر. إذ انتفض جزء من الوطن فى بنى غازى وبعد أن تم تحرير ذلك الجزء، وبمساندة من حلف الناتو. زحف الثوار نحو بقية أجزاء الوطن حتى حرروا العاصمة وأسقطوا النظام فيها. إلا أن القذافى لم يستسلم فغادر العاصمة إلى الجنوب حيث احتمى بقبيلته وحلفائها، وبالقوات التى وضعها تحت قيادة أبنائه. ولايزال الثوار يطاردونه ويسقطون معاقله واحدا تلو الآخر.
حالة اليمن قدمت نموذجا ثالثا لأن الثورة التى خرجت إلى الشارع مؤيدة بقطاعات عريضة من الجماهير تحدت النظام لكنها لم تسقط بعد. وهو لا يزال يعتمد فى استمراره على عدة عوامل منها: العنصر القبلى الذى ينتمى إليه الرئيس على عبدالله صالح، وأغلب الجيش والقوات الخاصة التى يقودها ابنه وأقاربه، ومنها المساندة السعودية والخليجية التى لم ترغب فى أن يتم التغيير ومن خلال الثورة.
الحالة السورية تعد نموذجا رابعا. تميز بتماسك النظام بمختلف أجهزته ومؤسساته فى مواجهة ثورة الجماهير. كما أنه اعتمد منذ اللحظة الأولى على المساندة الإيرانية فى الخبرات والأدوات. فضلا عن أن البيئة الإقليمية والدولية أيضا تعاملت بحذر مع النظام بسبب ارتباطه بالخرائط المحيطة وتأثر تلك الخرائط بمصيره. ذلك أن سقوطه ستكون له تأثيراته المباشرة على الوضع فى لبنان والعلاقة مع إيران، وبدائله لابد أن يكون لها صداها فى العراق والأردن وتركيا وربما إسرائيل أيضا.
ثمة قواسم مشتركة بين مسار الأحداث فى تلك الدول، منها مثلا أن الذى ثار هو، الجماهير العريضة ولم تقم بهذه الثورات أية قوة انقلابية مما اعتدناه فى السابق. منها أيضا أنها جميعا بدأت ثورات سلمية وطالبت بالإصلاحات التى تحقق لها الحرية وتعيد إليها كرامتها المهدرة، ولكن بعضها دفع دفعا إلى اللجوء للقوة (كما فى الحالة الليبية)، إلا أنها جميعا قوبلت بالعناد والاستعلاء، الأمر الذى أصابها باليأس من الإصلاح واضطرها إلى المطالبة بإسقاط النظام، ولئن كان لكل ثورة صداها غير المباشر فى المحيط العربى، إلا أن سوريا كانت استثناء، حيث تفردت بتداعياتها المباشرة على محيطها الإقليمى. وهذه التداعيات الإقليمية أضفت بعدا آخر على الاستعصاء السورى. لأنه إذا تساوت سوريا مع اليمن فى احتمالات الحرب الأهلية، (إذا وقعت لا قدر الله ستكون طائفية بين العلويين والسنة فى الأولى وقبلية فى الثانية)، إلا أن سقوط نظام صنعاء سيظل صداه داخل حدود الدولة، أما سقوط نظام دمشق فإن صداه الإقليمى سيكون مدويا.
(3)
أمام الاستعصاء السورى ثلاثة سيناريوهات. الأول أن يتمكن النظام من احتواء الأزمة واجتيازها. وهو الاحتمال الذى كان واردا من خلال السياسة فى البداية، إلا أن النظام انحاز إلى الخيار الأمنى وآثرت السلطة أن تقمع المعارضين وتسحقهم بدلا من أن تتجاوب معهم وتستجيب لأشواقهم. لكن من الواضح أن ذلك الخيار الأخير لم يحقق نجاحا حتى الآن، بدليل استمرار ثورة الجماهير لسبعة أشهر رغم الترويع والقسوة المفرطة، إلا أن نفاد صبر الجماهير التى لم تعد تحتمل استمرار استبداد النظام وإذلاله لها، إضافة إلى غزارة الدم الذى يراق كل يوم والتضامن الأخلاقى واسع النطاق مع الانتفاضة، ذلك كله عزز صمود الشعب السورى وزاد من إصراره على استعادة حريته.
هذا الإصرار من الجانبين يرشح المواجهة للاستمرار لفترة قد تتراوح بين سنة وسنة ونصف، فى تقدير الخبرا، إلا حدث طرأ على المشهد خياران آخران هما:
● انشقاق الجيش وانفراط عقده، ذلك أن استمرار أجهزة الأمن فى التعامل مع المظاهرات بالرصاص الحى، من خلال الشبيحة والقناصة من شأنه أن يستثير عناصر الجيش. فالأولون مدربون على القتل ويمارسونه منذ أربعة عقود جيلا بعد جيل. لكن وضع الجيش مختلف وتوريطه فى القتل اليومى للجماهير لا يخلو من مغامرة. وفى رأى البعض فإنه إذا كان قادة الأجهزة الأمنية وقواعدها أغلبهم من طائفة العلويين الحاكمة، فإن وضع الجيش مختلف. ذلك أن نسبة غير قليلة من الرتب الوسيطة وأغلب قواعده من أهل السنة. وقد لاحت بوادر ذلك الانشقاق فعلا حيث تمرد بعض الجنود فى درعا ومدينة الرستن بحمص وفى بانياس، مما دفع أجهزة الأمن إلى تصفيتهم. وبعد ذلك ظهرت الانشقاقات بين الضباط الذين ذكرت وكالات الأنباء أنهم شكلوا نواة لما سموه جيش سوريا الحر. إلا أن تلك الانشقاقات لا يبدو أن بمقدورها إحداث تغير جذرى يهدد النظام. ولذلك يصعب المراهنة عليها فى الأجل المنظور.
● الاحتمال الثانى أو السيناريو الثالث يتمثل فى التدخل الدولى الذى تلوح بعض مقترحات فى الوقت الراهن، ورغم أن فرنسا تدفع بشدة فى ذلك الاتجاه، بالتنسيق مع واشنطن بطبيعة الحال، كما أن روسيا على رأس الدول التى تقاومه، وهى التى تعتبر سوريا آخر موطئ قدم لها من منطقة الشرق الأوسط، إلا أن المخاطر الإقليمية التى يمكن أن تترتب على ذلك السيناريو تجعل الأطراف المختلفة حذرة تلك الخطوة. وعلى ذلك يراهن النظام السورى فى الأغلب.
(4)
هذه الخلفية تكاد تحاصر الربيع العربى فى بلدين اثنين هما مصر وتونس. رغم أن الدول الكبرى تحاول اختراق الوضع المستجد واحتواءه، ففرنسا حاضرة بقوة فى تونس كما أن الولايات المتحدة لها حضورها المماثل فى مصر، إلا أن ذلك ليس نهاية المطاف. فالبلدان مقبلان على انتخابات ديمقراطية هذا العام يفترض أن تعبر لأول مرة عن صوت الجماهير وتطلعاتها. وتلك بحد ذاتها خطوة إلى الأمام توفر طاقة أمل فى تجسيد الربيع المنشود على أرض الواقع بل أزعم أن نجاح البلدين فى هذه الجولة لن يقتصر أثره على حدودهما فحسب، وإنما سيكون له صداه الإيجابى فى المحيط العربى كله.
أدرى أن الجماهير العربية فى كل مكان قد علا صوتها وكسرت حاجز الخوف، يشهد بذلك ثباتها فى الشارع العربى طوال الأشهر الماضية، منذ تفجرت الثورة فى تونس ومصر. لكن التحدى الكبير والذى تواجهه هو كيف تحول الربيع من نسمة عابرة تنعشنا وترفع معنوياتنا، إلى واقع حى نعيشه وليس فقط نتنفس عطره. وهذا الأمل معقود فى الوقت الراهن على هذين البلدين وبقدر نجاحهما فى الاختبار الديمقراطى بقدر ما يكرم الإنسان العربى أو يهان.
3:24 PM |
Posted in
الشروق,
فهمى هويدى
|
Read More »

العلمانية فى تركيا ليست خيارا سياسيا معروضا على المجتمع، ولكنها عقيدة مفروضة على الكافة، تورد المنكرين لها موارد التهلكة، فى الدنيا بطبيعة الحال.
(1)
ما خطر لى أن أتطرق إلى الموضوع حين ذهبت إلى استنبول هذه المرة. فقد كنت مدعوا ضمن آخرين لورشة عمل خصصت لمناقشة التحولات الحاصلة فى العالم العربى، رتبت بالتعاون بين مكتب الدبلوماسية الشعبية برئاسة الحكومة التركية ومركز التفاهم الإسلامى المسيحى بجامعة جورج تاون الأمريكية. لم يكن عندى ما أقوله حين تحدث بعض الباحثين المصريين عن الاستقطاب الذى حدث فى مصر بين الليبراليين والعلمانيين من جانب والإسلاميين من جانب آخر، وأثار انتباهى أن سيدة من أعضاء المجموعة المصرية ذكرت أنها ذهبت إلى بروكسل مع آخرين من الناشطين المصريين (مثلت الإخوان المسلمين). وكان الجميع مدعوين من جانب الاتحاد الأوروبى، وهناك أبلغوا أن الاتحاد قرر أن يفتح مكتبا فى القاهرة لمساندة ودعم المرشحين الليبراليين والعلمانيين، وإن الأحزاب اليسارية الأوروبية بصدد فتح مكتب آخر لمساندة مرشحى اليسار. ولم أشترك فى مناقشة ما عرضه الباحثون التونسيون عن أجواء المعركة الانتخابية المقبلة لانتخاب المجلس التأسيسى (فى 23 أكتوبر) وكيف أن الأحزاب العلمانية أقامت تكتلا باسم الائتلاف الجمهورى والأحزاب اليسارية أقامت تكتلا آخر باسم القطب الحداثى الديمقراطى، لمواجهة حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية، كما تحدثوا عن الدور الكبير الذى تقوم به فرنسا لتأييد الأولين فى مواجهة الأخيرين، وعن أن فى تونس الآن أكثر من مائة حزب منها 46 خرجت من عباءة النظام السابق.
سمعت قصصا كثيرة عن الجهود التى يبذلها العلمانيون والليبراليون لتخويف الناس من الإسلاميين، وكيف أن صعودهم فى الحياة السياسية سيصيب المجال العام بنكسة تضرب السياحة خصوصا إذا تدخلوا فى منع الخمارات أو ارتداء المايوه البكينى، وكيف أنهم سيفرضون الزى الطائفى (يقصدون الحجاب) الذى كان محظورا على السيدات، وينصبون ذوى اللحى والجلابيب فى المناصب العليا، وسيعممون النكد على خلق الله من خلال أسلمة التليفزيون والمسرح والسينما.. إلى آخر تلك الأساطير التى تشهر الفزاعة فى وجوه الجميع. والتى يتم تسويقها فى مصر بأساليب أخرى.
(2)
إلى هنا وليس فى الأمر مفاجأة. لكن المفاجأة حدثت ذات مساء حين دعينا إلى عشاء اشترك فيه الدكتور أحمد داود أوغلو وزير الخارجية والسيد عمر جليك نائب رئيس حزب العدالة والتنمية ورئيس لجنة العلاقات الخارجية المسئول عن إعداد الدستور التركى الجديد، والدكتور إبراهيم كالن كبير مستشارى رئيس الوزراء. فتح الموضوع عمر جليك الذى قال لى إنه قرأ ما كتبته قبل أسبوعين عن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وقلت فيه أنه ابن الديمقراطية فى تركيا وليس ابن العلمانية، وان العلمانية أدخلته السجن ولكن الديمقراطية هى التى جاءت به إلى منصب رئيس الوزراء. وذكر أنه يوافقنى على ما قلت، وأن كلام السيد أردوغان عن العلمانية فى مصر أخرج عن سياقه وفهم خطأ (فى حواره مع السيدة منى الشاذلى فى برنامج العاشرة مساء قال الرجل إن الشعب المصرى يجب ألا يكون قلقا من العلمانية، لأن الدولة العلمانية ليست مقابلا للادينية.. كما أن العلمانية الحديثة لا تتعارض مع الدين بل يجب أن تتعايش معه). أضاف الرجل أن أردوغان كان يتحدث عن تجربة تركيا فى وضعها الراهن، حيث تظل العلمانية أساسا لنظامها السياسى، لكنها احترمت جميع القيم الديمقراطية، وأنهت خصومتها مع الدين، كما احترمت تعاليم كل ما يتعلق بالشعائر والسلوك الاجتماعى.
قلت إن العلمانية المطبقة فى تركيا الآن ليست هى التى طبقت منذ ثلاثينيات القرن الماضى، فقد بدأت مخاصمة للدين ورافضة لتعاليمه وتقاليده. حتى حظر ذكر اسم الإسلام، وأصبح أداء الجندى أو الضابط للصلوات مبررا لفصله من الجيش. ومحاكمة أردوغان وسجنه بسبب ترديده لأشعار أحد المسلمين المتدينيين نموذج آخر لتلك الممارسات القمعية الفجة التى كانت تمارس باسم العلمانية. ولكن التطور الديمقراطى هذب من الغلو العلمانى، حتى تم التصالح مع الدين أخيرا، لأن كسب تأييد الجمهور المسلم فى تركيا فرض على عقلاء العلمانيين أن يعبروا الاحترام لثقافة المجتمع وتقاليده الدينية.
قلت أيضا إن العلمانية صارت مصطلحا فضفاضا يحتمل تأويلات عدة، فالعلمانية الفرنسية مخاصمة للدين، والإنجليزية متصالحة معه حيث الملكة هى رأس الكنيسة هناك، بالتالى فإن المصطلح يحتمل نفيا للدين وإنكارا له، كما أنه يحتمل تصالحا مع الدين واعترافا به. بما يعنى أن المصطلح يمكن أن يكون بابا لإقصاء الدين بالكلية، أو لإضعافه وتهميشه فقط. وهو المعنى الذى عبر عنه عبدالوهاب المسيرى حين فرق بين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية.
لم يعترض السيد عمر جليك على ما قلت، لكنه هز رأسه، وقال: ما دمت قد تحدثت عن العلمانية الفرنسية والإنجليزية، فلك أن تقول إن أردوغان حين تحدث فى الموضوع فإنه كان يعبر عن تمثله للعلمانية التركية.
لم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الدكتور أحمد داود أوغلو حين جاء دوره فى الحديث حرص على أن يبدد اللغط الذى أثاره كلام أردوغان فى القاهرة، وقال إنه فهم خطأ حتى التبس الأمر على كثيرين، ذلك أنه حين قال ما قاله عن العلمانية فإنه كان يقصد التطبيق التركى لها، الذى تعد الديمقراطية ركنه الركين بما تستصحبه من حرية وتعددية ومساواة بين جميع المواطنين، باختلاف مدارسهم الفكرية وانتماءاتهم الدينية.
(3)
هذا الحوار كان بداية لمناقشات مطولة مع بعض المثقفين الأتراك الذين أصر بعضهم على أن العلمانية التركية مختلفة عند الصورة الشائعة لها فى أنحاء العالم العربى والإسلامى، فلا هى من قبيل الكفر ولا هى ضد الدين. وهى بالقطع ليست استنساخا للعلمانية الفرنسية ومتقدمة كثيرا على العلمانية البريطانية. وأثار انتباهى فى هذا الصدد ما قاله أستاذ جامعى هو الدكتور سمير صالحة من إن أردوغان حين جاء إلى مصر بعد غياب خمسة عشر عاما أراد بكلامه عن العلمانية أن يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. ذلك أنه بذكائه السياسى لم يكن يخاطب الرأى العام المصرى، ولم يكن يدعو النخب المصرية إلى تطبيق العلمانية، وإنما هو أراد أن يوجه أربع رسائل على الأقل إلى من يهمه الأمر، إحداها للحركات الإسلامية فى العالم العربى، التى تتطلع إلى المشاركة فى السلطة، خصوصا فى البلدان المنخرطة فى الربيع العربى، لكن لا تزج باسمه فى لعبة التوازنات الراهنة، بمعنى أنه أراد أن يحتفظ بمسافة بينه وبينهم، حتى لا يحسبون عليه أو يحسب هو عليهم. الرسالة الثانية أراد أن يوصلها إلى جماعات التطرف والتشدد الإسلامى، داعيا فيها إلى تحرير السياسة من نفوذهم وإحداث القطيعة معهم. الرسالة الثالثة كانت عينة فيها موجهة إلى الاتحاد الأوروبى، الذى سارع سكرتيره العام إلى التقاط كلمات أردوغان التى دافع فيها عن العلمانية، ودعا فى اجتماع للمجلس الأوروبى فى بالطا إلى مراجعة الموقف من تركيا، وطالب بتمكينها من الانضمام شريكا كاملا فى المجموعة الأوروبية. الرسالة الرابعة والأخيرة أراد أن يرد بكلامه على الدعايات الإسرائيلية فى الغرب التى تدعى أن تركيا تشجع قيادات الربيع العربى بما يسهم فى نشر التطرف الدينى، بالتالى فإنه بكلامه المنحاز إلى العلمانية أعلن موقفا واضحا من هذه المسألة.
إلى جانب ذلك فإن أردوغان تعرض لبعض الانتقادات فى داخل تركيا ذاتها. فسأله على بولاق فى جريدة الزمان عما إذا كان يدعو إلى علمنة الإسلام لتسهيل دمج الشرق الأوسط فى النظام العالمى الجديد. وقال ياسين أقطاى محرر صحيفة «ينى شفق» إن العلمانية المتداولة فى تركيا غير تلك الشائعة فى العالم العربى، ولذلك ما كان لأردوعان أن يتطرق للموضوع أثناء جولته العربية. فى حين قال إبراهيم كيراس محرر صحيفة «ستار» إن تركيا لم تنته من النقاشات الخاصة بالعلمانية، فلماذا يحاول رئيس الوزراء تسويقها فى العالم الإسلامى؟
(4)
الخلاصة التى خرجت بها من هذه الحوارات أننا لم نفهمهم ولا هم فهمونا. لم نفهم خصوصية وضع العلمانية فى تركيا ولم ندرك هالة القداسة التى أحيطت بها التى حولتها إلى دين للأمة التركية، كما رفعت كمال أتاتورك إلى مصاف الأنبياء، حتى أصبح أى نقد له بمثابة نوع من التجديف السياسى الذى ينهى حياة من يقدم على ارتكاب تلك الجريمة، بحيث يصبح سجنه أخف عقوبة توقع عليه.
لم نفهم أيضا أن الممارسة الديمقراطية هى التى أنضجت التجرية العلمانية وجعلتها بعد أكثر من ثمانين عاما أكثر تسامحا ورحابة. لذلك فإننى ما زلت عند رأيى فى أن البحث المنصف ينبغى أن يرجع الإنجازات التى حققتها تركيا إلى الديمقراطية وليس العلمانية.
المثقفون الأتراك الذين ناقشتهم استغربوا حين قلت إن العلمانية كلمة سيئة السمعة فى مصر والعالم العربى. لأنها ظلت تقدم بحسبانها «فيتو» من جانب بعض المثقفين على الالتزام بمتطلبات الهوية الإسلامية. لذلك فإن دعاتها ألبسوها مؤخرا قناع المدنية، وكفوا عن الحديث عن الدولة العلمانية وظلوا طوال الأشهر الماضية يتحدثون عن الدولة المدنية فقط. لكن حينما جاء أردوغان وتحدث بما قاله فى القاهرة، فإنهم أسقطوا القناع وعادوا للحديث مرة أخرى عن الدولة العلمانية. إلا أن ذلك لم يغير من نظرة المجتمع إليها.
أعرب من حدثتهم عن دهشتهم إزاء أمرين أشرت إليها، الأول ما سبق أن ذكرته من أن الليبراليين والعلمانيين فى مصر يسوفون لتأجيل الانتخابات التى يفترض أن تحدد نتائجها الأحجام والأوزان الحقيقية لمختلف القوى السياسية. ويعتبرون أن انتشارهم فى وسائل الإعلام وتحكمهم فى أغلب منابره يضمن لهم التأثير ويثبت الحضور بأكثر مما يمكن أن توفره مغامرة عملية الاحتكام إلى الشارع صناديق الانتخابات.
الأمر الثانى أن ساحة الفكر السياسى الإسلامى شهدت تطورا كبيرا ومثيرا خلال الثلاثين سنة الأخيرة، بمقتضاه احتلت الحرية والتعددية والمواطنة والمساواة وغير ذلك من المقاصد الشرعية مكانة متميزة فى دراسات واجتهادات الباحثين المسلمين، بل شمل ذلك التطور الموقف من الليبراليين والعلمانيين. بحيث أصبح أكثر تفهما وقبولا لأهل الاعتدال والعقلاء منهم. لكن الشاهد والملفت للنظر أن ذلك التطور لم يستقبل بحماس أو تطور مقابل من الطرف الآخر. وكانت النتيجة أن أغلب الباحثين الإسلاميين قطعوا أشواطا باتجاه التوافق مع الليبراليين والعلمانيين وصاروا واعين بتمايزاتهم، إلا أن أصحابنا هؤلاء ظلوا واقفين فى مواقعهم، لم يتقدموا خطوة تذكر إلى الأمام، وبدا مؤسفا أن بعض من كانوا معتدلين منهم صاروا أكثر تشددا وتشنجا فى الآونة الأخيرة، حين رفع الحظر عن إقصاء الإسلاميين وأتيح لهم أن يتواجدوا فى الساحة المكشوفة شأنهم شأن غيرهم من القوى السياسية.
أدرى أن ثمة تعصبا وشذوذا فى الساحة الإسلامية، لكننى أزعم أنه يظل استثناء على ذلك الجانب، فى حين أن التعصب والتحامل فى الجانب الآخر يظل قاعدة تطل شواهدها فى كل مناسبة. الأمر الذى يؤدى إلى تلغيم الجسور الموصلة بين الطرفين. فى وقت أصبح التوافق والاحتشاد فيه فرض عين على كل أصحاب البصر والبصيرة.
3:33 AM |
Posted in
فهمى هويدى
|
Read More »

14 يوليو 2011 08:29:01 ص بتوقيت القاهرة
هل تتحول ميزة الثورة المصرية وتفردها إلى نقمة؟. هذا السؤال من وحى الأحداث التى تتلاحق فى مصر الآن، احتجاجا على ممارسات الإدارة وافتقادها إلى «الحزم الثورى». ذلك أن الخروج السلمى للجماهير الغفيرة الذى انتهى بسقوط مبارك وفريقه لم يلجأ إلى أسلوب القطيعة الكاملة مع النظام السابق، من ثم لم يسع فور سقوطه إلى بتر أذرعه واقتلاع أدواته. بالتالى فما حدث من الناحية العملية أننا استبدلنا رأسا برأس، واكتشفنا فى وقت لاحق أن الجسم كله كما هو. وحين مارس الجسم حركته الطبيعية المعتادة أدركنا أن استجابته دون ما كان مرجوا أو متوقعا، وهو ما أغضب الثائرين واستفزهم، فى حين أن الجسم تحرك بمعدله الطبيعى وكان منسجما مع ذاته.
بكلام آخر، فإن الثورة السلمية حين لم تلجأ إلى المحاكمات الاستثنائية وإلى تطهير الأجهزة الحكومية من شخوص النظام السابق وامتداداته، فإن ذلك أسهم فى تعثر مسيرتها. ضاعف من المشكلة وزاد من تعقيدها أن ذلك النظام وهو يحكم قبضته على المجتمع دأب طوال ثلاثين عاما على تفكيك خلاياه وإعادة تركيبها من خلال رجاله وعلى قياسه. وهو ما يعنى أن أعوان مبارك وابنه تم توزيعهم على جميع مؤسسات الدولة ومرافقها وأجهزتها السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والأمنية بطبيعة الحال. وهو جهد أدى إلى احتواء الجميع وإلحاقهم ببيت الولاء والطاعة، ولم يستثن من ذلك القضاء أو الجامعات أو المجالس المحلية والجمعيات الأهلية، وبهذا الأسلوب أصبحت كل القشرة الطافية على سطح الحياة المصرية مشدودة إلى النظام ومنتفعة به، ومتجهة بولائها إلى مبارك وابنه.
إزاء ذلك كان من الصعب للغاية من الناحية العملية أن تنتزع تلك القشرة السميكة مرة واحدة، لأن من شأن ذلك أن يحدث فراغا رهيبا يهدد بشل النظام الجديد وإفشاله. ولذلك كان من الطبيعى أن يتم التعامل ببطء وحذر مع ذلك الوضع، الأمر الذى ضاق به المجتمع ذرعا بعدما رفعت الثورة من سقف توقعاته واستدعت أحلامه المؤجلة.
لقد حدث تعارض بين سلمية الثورة وثورية الإجراءات، لأن الروح التى تلبست الثوار لم تنتقل إلى جهاز الإدارة، ولذلك تصرف كل على طبيعته وتحرك بوتيرة مختلفة عن الآخر، وكان ذلك أوضح ما يكون فى خطوات محاكمة أركان النظام السابق وإجراءات رعاية أسر ضحايا الثورة.
هذا التفاوت يمكن التعبير عنه بصيغة أخرى أسهمت فى تعقيد الموقف، هى أن الذين قاموا بالثورة فى مصر لم يكونوا هم الذين تسلموا السلطة. وهو ما دعانى إلى القول فى مقام سابق إن الذين ثاروا على النظام أسقطوا رأسه حقا لكنهم سلموا السلطة إلى أدوات ذات النظام الذى أسقطوه. وكان ذلك نتيجة طبيعية ومنطقية ترتبت على أنه لم يكن للثورة تنظيم يحركها أو قيادة حددت مسارها. وكان الشعور بالمهانة والغضب هو العنصر الجامع للثائرين الذين فوجئوا بهشاشة النظام وسقوطه المدوى الذى لم يكن فى حسبانهم.
إذا كان الأمر كذلك، فقد كان طبيعيا ان تختلف الحسابات والتطلعات والسقوف، وكأن طبيعيا أن تنشأ مسافة بين مطالب الثوار وخطوات الحكومة، التى هى المسافة الطبيعية بين تطلعات الثورة وحسابات الدولة، عقد المشهد أكثر أنه فى غياب تنظيم يمثل الثورة فإن الأصوات تعددت فى محيطها، وقد لاحظنا فى اعتصام هذا الأسبوع أن مجموعة من الثوار قدموا إلى الحكومة والمجلس العسكرى قائمة بخمسة أو ستة طلبات، كما قدمت مجموعة أخرى قائمة بأحد عشر مطلبا.
أحد الحلول التى تخرجنا من مأزق تلك التباينات ان تجرى فى مصر انتخابات برلمانية تعبر عن خريطة المجتمع، بعدها تشكل حكومة مدنية، تكون خطوة باتجاه تسلم السلطة من العسكر. وهذه الحكومة تكون مسئولة أمام البرلمان، الذى له أن يحاسب كل وزير وأن يسحب الثقة منه أو من الحكومة بأسرها. وفيما علمت فإنه كان مقترحا فى البداية أنه بعد استفتاء 17 مارس، يفتح باب الترشيح للانتخابات فى شهر يونيو، (بعد نحو ثلاثة أشهر)، على أن تجرى الانتخابات خلال 60 يوما بعد ذلك، ولكن ذلك الموعد أجل إلى شهر سبتمبر، الأمر الذى يعنى أن الانتخابات ستجرى فى شهر نوفمبر، وأننا سنظل إلى قرب نهاية العام فى ظل الوضع المتأرجح الراهن، بلا برلمان يمثل المجتمع وبلا حكومة مسئولة أمامه، وسيظل المجلس العسكرى وحده المسئول عن إدارة البلد وممسكا بمفاتيح السلطتين التنفيذية والتشريعية، وإذا استمرت ضغوط بعض «الليبراليين» لمزيد من التأجيل، فربما رحل إجراء الانتخابات لأشهر أخرى، وحينذاك لا نعرف بالضبط ما يخبئه القدر لنا.
6:54 PM |
Posted in
الشروق,
فهمى هويدى
|
Read More »

13 يوليو 2011 09:37:23 ص بتوقيت القاهرة
الخبر الجيد أن الشعب والجيش لايزالون يدا واحدة. الخبر السيئ أن الثوار والمجلس العسكرى لم يعودوا كذلك. على الأقل فذلك ما تدل عليه التطورات التى شهدتها مصر خلال الأيام الأخيرة، التى بدا فيها أن الفجوة تتسع بين المجلس العسكرى وبين شريحة واسعة من ثوار 25 يناير. لدرجة أن البعض عاتبنى لأننى ذكرت فيما كتبت يوم الإثنين الماضى أننى «متعاطف» مع المجلس، رغم أننى أوردت تحليلا انتقدت فيه ممارساته التى وصفت بعضها بالارتباك والارتجال.
وكان ضيق البعض باستخدام وصف «التعاطف» مثيرا للدهشة ولا يخلو من دلالة جديرة بالملاحظة الأمر الذى أقنعنى بأن ذلك التحول فى المشاعر يحتاج إلى تفسير.
أسجل ابتداء خشيتى من أن يتأثر البعض بانفعالات اللحظة المسكونة بالاستياء ونفاد الصبر، فينسون أن المجلس العسكرى هو الذى حرس الثورة وأمنها ونجَّحها أيضا، بما يعنى أنه لولا موقفه لما تنحى الرئيس السابق ولما حققت الثورة هدف إسقاط النظام. أضيف إلى ذلك أن المجلس العسكرى ومن ورائه القوات المسلحة لايزالون يؤدون دورهم فى حراسة الثورة وتأمينها. ولولا هذا الدور لشهدنا فى مصر استنساخا للمشهد السورى أو اليمنى أو الليبى، حيث يبدى النظام فى تلك الأقطار استعدادا لسحق الجماهير وقصف المتظاهرين وتصفية المعارضين، ثمنا لبقائه واستمراره. وهى خلفية تسلط الضوء على خطورة الدعوة التى يروج لها البعض هذه الأيام ممن توقفوا عن الحديث عن الثورة المضادة. وبدأوا يشيرون بأصابع الاتهام إلى المجلس العسكرى. ومنهم من ذهب به الانفعال حدا جعله يضم المجلس إلى مربع تلك الثورة.
ما أريد أن أقوله هنا ثلاثة أمور. أولها أن بقاء المجلس العسكرى يظل ضرورة وطنية، حتى يتسلم المدنيون السلطة، وأنه على الذين يتحرون المصلحة الوطنية حقا أن يتحاوروا تحت هذا السقف. الثانى أن التسليم بضرورة دوره لا يعنى على الإطلاق لا التسليم بكل ما يصدر عنه ولا تحصينه ضد النقد والمساءلة. وأزعم فى هذا الصدد أنه إذا كان بقاء المجلس ضرورة، فإن نقده يظل ضرورة بدوره. لكنه النقد الذى يصوب المسيرة وليس ذلك الذى يهدم المعبد على من فيه. الأمر الثالث أنه على الذين يصوبون سهامهم صوب المجلس العسكرى أن يفكروا جيدا فى بدائله، التى هى الأسوأ بكل المعايير.
شهدت جلسة حوار انقسم المشاركون فيها فريقين، أحدهما انتقد تباطؤ الإجراءات التى أصدرها المجلس العسكرى وفسر ذلك بسوء التقدير والتردد فى اتخاذ القرار. أما الثانى فقد ذهب به سوء الظن حدا دفعه إلى رفض فكرة التباطؤ وترجيح احتمال «التواطؤ». ورغم أن الأخيرين يعدون قلة، إلا أن مجرد ظهورها فى الظرف الراهنة يعد جرس إنذار يجدر ملاحظة دوافعه ومراميه.
ما أدهشنى فى هذا الفريق الأخير أن أصحابه الذين كانوا فى الجلسة من أشد المتحمسين للثورة والغيورين عليها، ولا يستطيع أحد أن يدعى أنهم من الساخطين أو المتآمرين عليها. الأمر الذى يدعونا للانتباه إلى أن ثمة غلطا ما وقع وأوصل الأمور إلى ما وصلت إليه. هل هو بطء إجراءات محاكمة المسئولين عن القتل والفساد فى العهد السابق؟ هل هو القصور فى التواصل مع الرأى العام بما يؤدى إلى إيضاح ما التبس وتوضيح ما انغلق؟ هل هل هو الإعلام الذى انحاز إلى الإثارة والتهييج على حساب الموضوعية والمسئولية؟ هل هى الأجندات الخاصة التى تبناها البعض وفرضوها على المجتمع من خلال الأبواق التى تعبر عنهم؟ هل هم الذين قفزوا إلى صدارة المشهد وأرادوا اختطاف الثورة منتهزين فرصة فراغ الساحة السياسية وغياب القيادة التى تعبر عن الإجماع الشعبى؟ هل هم «الفلول» المتربصون والساعون إلى الوقيعة بين الثوار والمجلس العسكرى؟ هل هى الأصابع الأجنبية التى تريد إدامة الفوضى وإشغال الرأى العام بغير الأهداف الحقيقية للثورة؟
قد تكون هناك تساؤلات أخرى. وقد لا يكون هناك سبب واحد يمكن الارتكان إليه فى تفسير الشرخ الحاصل الآن، وإنما أدت إليه أسباب عدة، وربما هذه الأسباب مجتمعة. لكنى لا أستطيع فى تفسير تحول المشاعر واستدعاء سوء الظن أن أتجاهل الدور المهم الذى أسهم به غموض بعض المواقف والقرارات. حيث لم يفسر لنا أحد لماذا تأخرت كثيرا محاكمة المسئولين عن قتل الثوار وعن الفساد الذى استشرى فى البلاد، فى حين تسارعت محاكمة أعداد كبيرة من المدنيين أمام المحاكم العسكرية. كما لم تفسر لنا بعض التعيينات التى تمت فى مواقع عدة وأثارت الحيرة والدهشة، على الأقل فى حين إنها بدت أكثر ملاءمة للنظام السابق منها لمصر ما بعد الثورة.
غدا نواصل بإذن الله.
6:59 PM |
Posted in
الشروق,
فهمى هويدى
|
Read More »

بقلم: فهمي هويدي
12 يوليو 2011 08:58:22 ص بتوقيت القاهرة
هل نبالغ إذا قلنا إن نسائم الربيع التى هبت على مصر بعد الثورة أنعشت حقا أجواء الداخل، لكنها لم تلامس بعد علاقاتها بالخارج؟ وهل يصح أن نقول إن المجلس العسكرى يدير شئون مصر الداخلية، وإن الرئيس السابق لايزال يدير سياستها الخارجية؟
(1)
ربما جاز لنا بعد ستة أشهر من قيام الثورة أن نلقى بأسئلة من ذاك القبيل. صحيح أنه من المبكر للغاية أن نتساءل عما حققناه من أهداف (لاحظ أننا نتحدث عن «النسائم» وليس الربيع ذاته) لكن ذلك لا يمنعنا من التساؤل عن وجهة الثورة وآفاقها المتاحة حتى الآن على الأقل. صحيح أيضا أنه من الصعب فى بعض الأحيان أن نفصل بين الداخل والخارج نظرا لتشابك الأنشطة بينهما. (فالتمويل الأمريكى لبعض منظمات المجتمع المدنى يستهدف التأثير فى الداخل حقا، ولكنه موصول بقرار سياسى أمريكى)، إلا أننا سنقيم مؤقتا فصلا تعسفيا بين المجالين لكى نحاول الإجابة عن السؤال المتقدم.
ليس خافيا على أحد أن الأبصار مشدودة إلى الداخل منذ انطلقت ثورة 25 يناير بأحداثها المثيرة، الأمر الذى حجب عن كثيرين ليس فقط إمكانية متابعة ما يجرى من أحداث خارج مصر، ولكنه أيضا صرف الاهتمام عن مؤشرات السياسة الخارجية ومسار علاقات القاهرة بمحيطها القريب والبعيد. ولئن ظل بعضنا ينتقد انكفاء مصر على نفسها منذ تراجع دورها فى ظل النظام السابق، إلا أن ذلك الانكفاء اقترن بعد الثورة بتراجع الاهتمام بالسياسة الخارجية المصرية ذاتها.
لن أختلف مع من يقول بأن مصر ليست معزولة عن محيطها، وأنها موجودة فى العديد من الساحات على الصعيدين الدولى والإقليمى، لكنى أضيف أن ذلك الحضور إذا لم يقترن بموقف مستقل وبرؤية استراتيجية واضحة تنطلق من الالتزام بالمصالح العليا للوطن والأمة، فإنه يصبح عملا روتينيا لا يشكل إضافة تذكر. إن شئت فقل إن العبرة ليست بمجرد الحضور أو التحرك، لأن الأهم هو على أى أرض يقف الطرف الحاضر، وفى أى اتجاه يتم التحرك وأى مصلحة يتحراها ذلك التحرك.
(2)
فى 27/6 كان العنوان الرئيسى لصحيفة «روزاليوسف» كالتالى: العرابى: لا مساومة على أمن الخليج العربى وتحت العنوان ذكر الخبر المنشور أن السيد محمد العرابى وزير الخارجية صرح عقب أدائه اليمين الدستورية أن أمن دول الخليج مسألة حيوية بالنسبة لمصر ــ وأنه لا تفريط ولا مساومة فى أمن الخليج، ثم تحدث بعد ذلك عن استعادة مصر لدورها على مختلف الأصعدة.
بعد ذلك بأيام قليلة فى (4/7) نشرت صحيفة «الأهرام» على صفحتها الأولى تصريحا للسيد العرابى قال فيه إن العلاقات المصرية لن تكون أبدا على حساب أمن واستقرار دول الخليج. وفى اليوم التالى مباشرة (5/7) نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» على صفحتها الأولى تصريحات منسوبة إلى السيد العرابى قال فيها إن مصر ترفض أى تدخل خارجى ــ وأن استقرار البحرين خط أحمر.
مضمون التصريح لم يكن جديدا. فهو يتكرر على ألسنة المسئولين فى الخارجية والرئاسة المصرية طوال الثلاثين سنة الماضية. طوال عهد مبارك وفى مرحلة السادات أيضا. لكن ما استوقفنى فيه أمران أحدهما الإلحاح على الفكرة وتكرارها فى أوقات متقاربة. والثانى أن الوزير ما برح يدق الأجراس محذرا من الوضع فى الخليج. فى حين التزم الصمت إزاء الإجراءات المتسارعة التى تتخذها السلطات الإسرائيلية للتوسع فى الاستيطان وتهويد القدس، كما لم يتحدث عن انفصال الجنوب فى السودان، أو قصف طائرات الناتو لليبيا، أو شبح الانفصال المخيم على اليمن، أو آثار الزلزال الذى ضرب سوريا، وغير ذلك من تجاوزات الخطوط الحمراء التى يفترض أن تكون مقلقة لمصر ولها تأثيرها على أمنها القومى.
فسرت ذلك الإلحاح فى تصريحات وزير الخارجية الجديد بأمرين، أولهما أنها محاولة إزالة آثار التصريحات التى أدلى بها الدكتور نبيل العربى الوزير الذى سبقه، وتحدث فيها عن تطبيع العلاقات مع إيران، أسوة بما هو حاصل دبلوماسيا بين دول الخليج ذاتها وبين الجمهورية الإسلامية. وهى التصريحات التى أقلقت بعض دول الخليج ومنها من عبر عن قلقه بإشارات مسكونة بالغضب والعتاب، مس بعضها أوضاع العمالة المصرية فى تلك الدول.
الأمر الثانى الذى فسرت به التصريحات أنها تبعث برسالة طمأنة تتجاوز منطقة الخليج، لتصل إلى من يهمه الأمر فى واشنطون وغيرها خلاصتها أن السياسة الخارجية المصرية فى ظل النظام الجديد لن تختلف عما كانت عليه فى النظام القديم.
استوقفتنى أيضا تصريحات وزير الخارجية الجديد بخصوص الوضع فى لبنان عقب إعلان لائحة الاتهام فى قضية اغتيال الرئيس الحريرى. فقد نقلت صحيفة «الأهرام» على لسانه فى 4/7 قوله إن مصر حرصت على تحقيق العدالة (فى لبنان) وعلى احترام عمل المحكمة الدولية.. مشيرا إلى أن العدالة مطلب لكل لبنانى وأنها الضمان الحقيقى للاستقرار فى لبنان.
لم يكن الرجل محايدا. ذلك أنه تجاهل الوضع الاستثنائى للمحكمة الدولية التى أنشئت بقرار من مجلس الأمن، بعد رفض الولايات المتحدة اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية القائمة فعلا وامتناع واشنطون عن التوقيع على اتفاقيتها حتى لا يخضع جنودها للمحاسبة جراء ممارساتهم فى أفغانستان والعراق. وتجاهل أيضا عملية تسييس المحكمة والتحقيقات من البداية. كما تجاهل خبث التوقيت فى إعلان قرار الاتهام متزامنا مع إتمام تشكيل الحكومة الجديدة وفى النهاية بدا وزير الخارجية مصطفا إلى جانب فريق 14 آذار الذى يقوده سعد الحريرى وتقف وراءه الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل ومعها دول «الاعتدال» العربى. وهو ذات الموقف الذى التزمت به السياسة الخارجية المصرية طوال عهد الرئيس السابق.
نظرت بعد ذلك إلى الحاصل فى معبر رفح، الذى لم يختلف كثيرا بعد الثورة عما كانت عليه الأوضاع قبل 25 يناير. فالقيود ذاتها مفروضة على العابرين، حيث قوائم الحظر مازالت كما هى. ومحدودية أعداد المسموح لهم بالعبور لم يطرأ عليها أى تعديل. كما أن المعاملة السيئة للفلسطينيين العابرين ظلت كما كانت من قبل. وكأن شيئا لم يتغير فى مصر.
(3)
فى المشاهد الثلاثة رأيت سياسة مبارك لاتزال مطبقة بحذافيرها. وإذا سألتنى لماذا القياس على تلك المشاهد دون غيرها، فردى أننى اعتمدت عليها لأنها من نماذج مناطق التماس مع الاستراتيجيات الغربية فى المنطقة. الأمر الذى يضفى حساسية خاصة على الملفات الثلاثة الفلسطينى واللبنانى والإيرانى، وكلها موصولة بالمصالح الإسرائيلية بطبيعة الحال. وهو ما يدفعنى إلى القول بأن كيفية التعامل مع تلك الملفات تعد معيارا لقياس درجة استقلال القرار السياسى المصرى، ومؤشرا على مدى انخراط مصر فيما أطلق عليه معسكر الاعتدال العربى، الذى ترعاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
لست واثقا من دقة معلومات الصحافة الألمانية التى تحدثت عن غرفة عمليات مشتركة أمريكية إسرائيلية تتابع على مدى الساعة ما يجرى فى مصر منذ قامت الثورة، لكن ما أفهمه أنه إذا كانت الدولتان قد اضطرتا للقبول بخلع الرئيس السابق، إلا أنهما تعتبران أن استمرار سياسته فى الشأن الخارجى أمرٌ يخصهما، ولا يحتمل المساس والتقاطع. وما أعرفه أنهما تمارسان ضغوطا بوسائل شتى لضمان استمرار تلك السياسة فى العديد من المجالات، حتى إن واشنطون استخدمت تلك الضغوط لتقييد المرور من معبر رفح بعد إطلاقه لعدة أيام. وكان لها ما أرادت.
فى ضوء ذلك التحليل فإننا نستطيع أن نفهم لماذا قوبلت تصريحات الدكتور نبيل العربى بالفتور والاستياء، حين تحدث عن فتح معبر رفح، وطالب إسرائيل بتنفيذ التزاماتها فى اتفاقية السلام، ودعا إلى التعامل بندِّية مع الولايات المتحدة وإلى تطبيع العلاقات مع إيران. ولماذا استقبلت دوائر عدة انتقاله من الخارجية المصرية إلى أمانة الجامعة العربية بدرجات متفاوتة من الترحيب والارتياح. ذلك أنه فى الحسابات الاستراتيجية فإن منصب وزير خارجية مصر، إذا كان من نوعية الدكتور نبيل العربى، يظل أكثر حساسية وأهمية من أمين الجامعة العربية. فالرجل فى منصبه الأول يمكن أن يجعل من مصر رافعة للعالم العربى بأسره (إذا كان معبرا عن سياسة النظام بطبيعة الحال)، فى حين أنه فى منصبه الثانى يقود عربة معطوبة فاقدة القدرة على الحركة.
إن حملة تقزيم مصر التى توجت بتوقيع معاهدة كامب ديفيد كانت أهم مكسب إقليمى حققته الولايات المتحدة وإسرائيل فى نصف القرن الأخير. والدولتان حريصتان على الاحتفاظ بتلك الجائزة وليستا على استعداد للتفريط فيها تحت أى ظرف. ولا تنس أن مبارك وصف فى إسرائيل بأنه «كنز استراتيجى» احتفاء بسياسته بالدرجة الأولى. الأمر الذى يصور لك الجهد الذى يمكن أن تبذله والضغوط التى تمارسها لاستمرار تلك السياسة والحفاظ على «الكنز».
(4)
إن شعار الكرامة الذى رفعته ثورة 25 يناير لا يخص المواطنين وحدهم، ولكنه يشمل الوطن أيضا. وهو ما يفترض أن تعبر عنه سياسات الخارج بقدر ما يتعين أن تلتزم به سياسات الداخل. وإذ مازلنا نخوض معركة الدفاع عن الكرامة فى الداخل فى الوقت الراهن، فإننى أزعم أن الدفاع عن كرامة الوطن أطول وأكثر شراسة، وبغير خوضها وكسبها يظل البلد مَهِيضَ الجناح ومنقوص الكرامة.
لقد أهدر النظام السابق كرامة المواطن حين أذله وأفقره. كما أنه فرط فى كرامة الوطن حين أفقده عافيته وألحقه بقطار التبعية وفرض على مصر تحالفا استراتيجيا مهينا مع عدوها الاستراتيجى، كما قيل بحق. وإذا كانت لدينا مشكلة مع فلول النظام السابق، فمشكلتنا أكبر مع رعاة ذلك النظام. والأخيرون أخطر وأخبث بما يملكون من أسباب القوة وبما يمارسونه من ضغوط غير منظورة.
صحيح أنه من الطبيعى أن تحتل الأولوية معركة الدفاع عن كرامة المواطن، إلا أننا ينبغى أن نكون على وعى كافٍ باستحقاقات الدفاع عن كرامة الوطن. فى هذا الصدد يتعين الانتباه إلى أن القوى الأجنبية الضاغطة لا تريد لمصر ديمقراطية حقيقية تفرز حكومة وطنية تعبر عن ضمير الشعب وأشواقه. لكنها تريد لنا ديمقراطية منقوصة تتحرك تحت سقف المصالح الغربية والمخططات الإسرائيلية. وهى راضية بالحاصل فى مصر الآن، حتى إن الولايات المتحدة اعتمدت مبلغ 150 مليون دولار لدعم الديمقراطية التى تنشدها. ولن تتمكن مصر من مواجهة تلك الضغوط إلا إذا توافرت للمجتمع درجة من العافية تمكنه من مقاومة كل ما من شأنه المساس بكرامة البلد وتهديد مصالحه العليا. وهذه العافية لا تتوافر إلا فى ظل إرادة مستقلة وحياة سياسية نظيفة. ومجتمع قوى بمؤسساته وخلاياه الحية التى تتحرك فى إطار مشروع وطنى يستلهم حلم النهضة وينطلق من قيم العدل والحرية والمساواة، مستهدفا الحفاظ على كرامة المواطن وعزة الوطن وإذا ما خطونا الخطوة الأولى فى هذا الطريق فستكون تلك علامة على السقوط النهائى لنظام مبارك.
11:41 AM |
Posted in
الشروق,
فهمى هويدى
|
Read More »
11 يوليو 2011 09:12:21 ص
لدى تعاطف مع المجلس العسكرى الذى وجد نفسه مستدعى لتأمين الثورة فى مصر، ثم اكتشف بعد ذلك أنه يقف وحيدا فى حمل كل هموم البلد، ومحشورا بين ضغوط الشارع من ناحية وبين ضغوط الخارج من ناحية ثانية، وكل منهما لا يرحم. لقد أدى الجيش واجبه الوطنى فى تأمين الثورة والانحياز لإرادة الشعب. وتلك مسئولية لم يسع إليها لكنه استجاب لها بشجاعة فى لحظة بدا فيها أن خطرا داهما يهدد الجبهة الداخلية. إذ ربما يؤكد كثيرون أن الجيش قرر التدخل عقب إعلان ثوار الميدان عن نيتهم الزحف إلى مقر القصر الجمهورى، فى حين كانت التعليمات لدى الحرس الجمهورى تقتضى بإطلاق الرصاص الحى على كل من يحاول اقتحام القصر، الأمر الذى كان ينذر بوقوع مذبحة تُغرق القاهرة فى بحر من الدم. ولتجنب تلك الكارثة كان لابد أن يعلن الجيش موقفه، وقد كان.
لم يكن الجيش صاحب الثورة ولكنه كان حارسها الأمين. ولذلك فإنه لم يشكل مجلسا لقيادة الثورة، حيث لم يكن له أن يدعى ذلك. وإنما باشر مسئولياته تحت مظلة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وكانت مشكلة المجلس منذ اللحظة الأولى أنه يتعامل مع طوفان من البشر الذين أجمعوا على رفض ممارسات وسياسات نظام مبارك، وتعلقوا بحلم إقامة نظام جديد يرد للمواطن اعتباره ويلبى حاجاته ويرفع عنه أمد المذلة والهوان.
المشكلة الأخرى أن قنوات الاتصال بين السلطة والمجتمع كانت إما معطوبة أو مسدودة ومشبوهة. ولم يكن أمام المجتمع من حل يسمع به صوته للمجلس الذى تولى السلطة سوى أن يسلك أحد طريقين، فإما أن يخاطبه من خلال الإعلام أو يبادر بالنزول إلى الشارع. وكل منهما لا يخلو من مغامرة ذلك أن البعض احترفوا ممارسة الثورة من خلال الظهور على شاشات التليفزيون. أما البعض الآخر فقد استسهلوا التنادى للنزول إلى الشارع والاعتصام بالميادين. ولم يكن بوسع أى أحد أن يعرف ما الذى يمثله الذين جذبتهم أضواء التليفزيون، وما هى حقيقة الجموع التى احتشدت فى الميدان. من منهم الذى أسهم فى الثورة ومن منهم انتسب لها ودفعه الفضول إلى الالتحاق بالحشود المجتمعة فى الشارع. من الذى دفع الثمن، ومن الذى ركب الموجة بالمجان.
هذا الفراغ رتب ثلاث نتائج سلبية تتمثل فيما يلى:
< إن مجلس الثورة عانى من الارتباك وربما الارتجال فى قراراته، ذلك أنه لم يجد طرفا مسئولا يحدد له ما المطلوب بالضبط وما هى الأولويات التى يتعين الالتزام بها. ولحل ذلك الإشكال فإنه لجأ إلى اجتهادات أعضائه من ناحية وإلى سلسلة الحوارات التى أجريت مع مختلف الفرقاء والخبراء من جهة ثانية، ومن الواضح أنهم غرقوا فى بحر الاجتهادات والآراء التى حصلوها خلال تلك الحوارات، التى كان معظمها أقرب إلى منصات التنفيس منها إلى جلسات العمل.
< إن الفراغ السياسى الكبير الذى عانت منه مصر جراء إصرار النظام السابق على احتكار السلطة وتقزيم أو تدمير القوى الحية فى المجتمع، فتح الباب لمحاولات عديدة لتمثيل الثورة وركوب موجتها. وتنافست فى ذلك القوى التقليدية مع التجمعات الجديدة، وتداخل الصالحون مع الطامحين والطالحين. ولعب رأس المال دورا مهما فى تشكيل الخريطة الجديدة. وفى النهاية فإننا وجدنا أنفسنا أمام عناوين كبيرة ورنانة ظهرت كلها فجأة، دون أن تعرف لها هوية أو وزنا. لكن الذى حدث أن هذه الكيانات كلها أصبحت تقدم نفسها بحسبانها «قوى الثورة»، دون أن يتاح للمجتمع أن يعرف على وجه الدقة ما إذا كانت تلك الصفة حقيقية أم منتحلة.
< إن المجلس العسكرى وهو يقف وحيدا وسط أمواج الثورة المتلاطمة اعتمد على رصيده المعنوى أكثر من اعتماده على قوى المجتمع الحية، ولأنه ليس مستندا إلى تمثيل شعبى مؤسسى يشد من أزره ويتكئ عليه، فإن ذلك لابد أن يؤثر بالسلب على موقفه فى مواجهة الضغوط الخارجية التى ينبغى ألا يستهان بها. خصوصا إذا أدركنا أن تلك الضغوط صادرة عن طرف فى غطرسة الولايات المتحدة أو فى حلف وبلطجة إسرائيل. وفرق كبير فى موقف يتبناه المجلس العسكرى استشعارا منه لمسئوليته وواجبه الوطنى، وبين أن يكون الموقف تعبيرا عن إرادة شعبية لا يملك لها أحد ردا.
إن النخب التى تتصارع الآن فى مصر مدفوعة فى ذلك بمخاوفها أو حساباتها الخاصة، تطيل من أمد الفراغ السياسى وتعطل تمثيل الإرادة الشعبية فى حراسة الحاضر وصناعة المستقبل. والأسوأ من هذا وذاك أنها تحرم المجلس العسكرى من المؤازرة الشعبية والمدنية وتغرى أعضاءه بالاستمرار فى السلطة. ولأنهم بشر فقد يستطيبونها فى وقت لا ينفع فيه الندم.
1:25 PM |
Posted in
الشروق,
فهمى هويدى
|
Read More »